كيف تطور مفهوم التداول عبر الإنترنت في الأردن خلال السنوات الأخيرة
كيف تطور مفهوم التداول عبر الإنترنت في الأردن خلال السنوات الأخيرة
شهد سوق تداول الأموال في الأردن مساراً تطورياً تحوّل من معاملات تقليدية غير منظمة إلى منصات إلكترونية حديثة. في ثلاثينيات القرن الماضي بدأ عدد محدود من المواطنين الاشتراك في أسهم شركات خاصة (مثل البنك العربي والشركة الأردنية للتبغ) دون وجود سوق مالي نظامي. ومع مرور الوقت تضاعفت حاجة الاقتصاد الأردني إلى تمويل محلي، فصدر القانون رقم (31) لعام 1976 الذي أسس “سوق عمان المالي” عام 1978 كهيئة رسمية لتنظيم التعاملات الماليّة. وخلال تسعينيات القرن الماضي، أعاد قانون الأوراق المالية لسنة 1997 هيكلة السوق المالي، فأنشئت هيئة الأوراق المالية وبورصة عمان كمؤسستين منفصلتين تشرفان على التنظيم والتنفيذ. كل ذلك مهد لمرونة أكبر في التداول، لكن معظم العمليات ظلّت عبر وسطاء تقليديين وبكميات محدودة.
التحول نحو التداول الإلكتروني وأسبابه
مع انتشار الإنترنت والهواتف الذكية في الأردن، تسارعت حركة التداول المالي عبر القنوات الإلكترونية. فقد أظهرت إحصاءات رسمية أن نسبة انتشار الإنترنت بين الأردنيين بلغت حوالي 92.5% مع نهاية 2024، مما يسهّل وصول المستثمرين إلى منصات التداول عبر الإنترنت. كذلك أدت جائحة كورونا (2020–2021) إلى تسريع هذا التحوّل، إذ اضطرت شرائح واسعة من الأفراد لإجراء معاملات مالية واستثمارية عن بعد. تقدم منصات التداول الإلكتروني مزايا عدة مثل الوصول الفوري إلى الأسعار وأدوات التحليل والقدرة على إتمام الصفقات في أي وقت من أي مكان، بالإضافة إلى تخفيض التكاليف المرتبطة بالعمولات والوسطاء التقليديين. هذه العوامل، إضافة إلى نمو المحتوى التعليمي المالي على الإنترنت، دفعت الكثير من المستثمرين الأردنيين إلى الاعتماد على منصات رقمية لتداول الأسهم والعملات والسلع.
أبرز المنصات التي يستخدمها الأردنيون
توفر البنوك الأردنية وشركات الوساطة المالية المحلية منصات إلكترونية خاصة بها لتداول الأوراق المالية. على سبيل المثال، أطلق بنك القاهرة عمان أول منصة إلكترونية في الأردن للتداول عبر الإنترنت، تُسمى CAB E-Trading، وهي تتيح للعملاء تداول الأسهم والسندات وصناديق الاستثمار في أسواق عالمية مختلفة بسهولة. كما يقدم البنك العربي وبنك الأردن والبنك الأهلي منصات مماثلة تسمح بمتابعة السوق وتنفيذ الأوامر إلكترونيًا. بالإضافة إلى ذلك، توجد شركات وساطة مستقلة معتمدة تقدم تطبيقات تداول عبر الويب والهواتف الذكية، بعضها يتيح التداول في الأسواق العالمية (أسهمًا ومؤشرات وبضائع) بالعملات الأجنبية. عمومًا، يستخدم المستثمر الأردني مزيجاً من هذه المنصات المحلية والمرخصة مع بعض المنصات الدولية المرخصة في بلدان أخرى، لضمان الوصول إلى مجموعة واسعة من الأصول المالية.
دور الحكومة والبنك المركزي في تنظيم السوق
يشرف على تنظيم السوق المالي في الأردن هيئة الأوراق المالية (JSC)، التي أنشئت بموجب قانون الأوراق المالية. تهدف الهيئة إلى حماية المستثمرين وتنظيم نشاط إصدار وتداول الأوراق المالية. من مهامها إصدار التعليمات التي تُلزم الشركات المدرجة بالإفصاح المالي الكامل وإعداد التقارير الدورية، بالإضافة إلى مراقبة عمل شركات الوساطة والأسواق المالية لضمان العدالة والشفافية. تحرص الهيئة أيضًا على نشر الوعي الاستثماري لدى الجمهور والإعلام بأهمية التداول المنظم وسلوكيات المستثمر السليمة. أما البنك المركزي الأردني، فيضطلع بدور تكميلي يتركز في الرقابة على القطاع المصرفي وعمليات صرف العملات. فقد تضمنت تشريعات أخيرة تنظيم التداول بالعملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، مع حصر تداول الدينار الأردني في الوسائل المعتمدة لدى البنوك. وقد أصدرت الحكومة مؤخرًا قانونًا خاصًا بالأصول الافتراضية (العملات الرقمية) لعام 2025 لتنظيم تداولها عبر منصات مرخصة وضمان حماية المستثمرين فيها. بهذا الشكل، توفر الأطر الرقابية المحلية حماية نسبية للمستثمرين، مع فرض قواعد واضحة على الشركات والأفراد الذين يتعاملون في الأصول المالية.
التطورات في البنية التحتية والتشريعات
رافقت التطور الرقمي في التداول تحسينات قانونية وتقنية كبيرة. فقد أصدرت الهيئة تعليمات تسمح بتوسيع استخدام المنصات الرقمية في التداول عام 2024، لتسهيل تنفيذ الصفقات إلكترونيًا مع الحفاظ على الرقابة التنظيمية. كذلك طوّرت بورصة عمان بنيتها التقنية بتطبيق نظام تداول إلكتروني متكامل يحسن سرعة تنفيذ الأوامر، بالإضافة إلى اعتماد المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، مثل نظام الإفصاح العالمي XBRL لتعزيز الشفافية. على الجانب الحكومي، أشارت جمعية تقنية المعلومات إلى أن “النمو الرقمي يعكس التوجه المتزايد نحو التكنولوجيا الحديثة في الأردن، ما يستدعي تعزيز البنية التحتية الرقمية والاستثمار في التحول الرقمي لدعم الاقتصاد الرقمي”. وفعلاً، عملت الدولة على دعم البنية التقنية بتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني وتوفير الإنترنت عالي السرعة، مما سهل ولوج الأفراد إلى منصات التداول بأمان وكفاءة أكبر.
انتشار الثقافة الاستثمارية بين الشباب
زاد اهتمام فئة الشباب الأردني بالاستثمار في الأسواق المالية مؤخراً. فالتثقيف المالي أصبح متاحاً عبر الإنترنت، وشهدت المبادرات التعليمية والمؤتمرات المتخصصة إقبالًا ملحوظًا. وقد عززت شركات الوساطة هذا الاهتمام من خلال حملات ترويجية وورش عمل بالجامعات. على سبيل المثال، نفذت شركة سي أف آي المالية مبادرة “من الأردن تبدأ الفرص” للتعريف ببورصة عمان كخيار استثماري واعد داخل بيئة منظمة. وكما بيّن مسؤولون في السوق، تعكس هذه الحملات التزامًا بتوسيع قاعدة المستثمرين، خاصة لدى الشباب والمستثمرين الأفراد الجدد. ومع كل هذه الجهود، تزداد ثقة الشباب في القدرة على بناء محافظ استثمارية متوازنة دون مغادرة بلدهم، مما يُسهم في تطوير ثقافة الاستثمار بين أجيال جديدة من الأردنيين.
تحديات التداول عبر الإنترنت في الأردن
على الرغم من الفوائد، يواجه التداول الإلكتروني في الأردن تحديات عدة. يظل سوق الأسهم المحلي صغير الحجم نسبيًا؛ إذ عدد الشركات المدرجة محدود والسيولة اليومية منخفضة مقارنة بالأسواق العالمية، ما يقلل فرص تحقيق العائدات ويزيد تقلب الأسعار. كما يحتاج الكثير من المستثمرين الأفراد إلى رفع مستوى الوعي والمهنية، حيث يفتقد البعض الخبرة اللازمة لإدارة المخاطر أو استخدام أدوات التحليل بشكل صحيح. أحد المخاطر الشهيرة المرتبطة بالتداول الإلكتروني هو استخدام الرافعة المالية، حيث قد تتسبب الخسائر في تجاوز رأس مال المستثمر ("الرصيد السلبي"). وهناك مخاطر تقنية أيضًا؛ فمن الممكن أن تتعرض منصات التداول لانقطاعات غير متوقعة أو محاولات اختراق سيبراني. إضافةً إلى ذلك، تنشط أحيانًا شركات وساطة غير موثوقة تقدم وعودًا وهمية، وهو ما قد يؤدي إلى عمليات احتيال على المستثمرين المبتدئين. كل هذه التحديات تتطلب بيئة تشريعية صارمة وتوعية مستمرة، ويجب على المستثمر الفرد أن يتوخى الحذر، مثلاً من خلال بدء التداول بحساب تجريبي أو مبالغ صغيرة وتوظيف أوامر وقف الخسارة لحماية رأس ماله