
التعويم والتضخم: علاقة معقدة تشكّل الاقتصادات
مقدمة
يُعد التعويم والتضخم من المفاهيم الأساسية في الاقتصاد الكلي، ولا سيما في الدول التي تواجه ضغوطًا على ميزان المدفوعات أو نقصًا في العملات الأجنبية. ورغم وجود علاقة مهمة بين سعر الصرف ومستوى الأسعار، فإن القول إن التعويم يؤدي تلقائيًا إلى التضخم سيكون تبسيطًا مخلًا؛ فالأثر يعتمد على حجم انخفاض قيمة العملة، ودرجة اعتماد الاقتصاد على الواردات، والسياسة النقدية والمالية، وتوقعات التضخم، وطبيعة الصدمة التي يمر بها الاقتصاد.
وتشير أبحاث بنك التسويات الدولية وصندوق النقد الدولي إلى أن انتقال تغيرات سعر الصرف إلى الأسعار المحلية، والمعروف باسم تمرير سعر الصرف (Exchange Rate Pass-Through)، يختلف بدرجة كبيرة بين الدول والفترات الزمنية، ولا ينتقل بالضرورة بصورة كاملة إلى المستهلك.
تنبيه منهجي: هذا المقال تعليمي عام، وليس استشارة اقتصادية أو مالية. الأمثلة والأرقام الواردة فيه تصف تجارب اقتصادية محددة، ولا يمكن استخدامها وحدها للحكم على ملاءمة سياسة سعر صرف معينة لأي دولة.
ما هو التعويم؟
التعويم هو نظام لسعر الصرف يُسمح فيه للعملة بالتحرك استجابةً لقوى السوق، بدل تثبيت سعر محدد لها بصورة دائمة. ولا يعني التعويم بالضرورة غياب تدخل البنك المركزي؛ فهناك أنظمة تعويم حر، وأخرى تعويم مُدار يمكن أن تتدخل فيها السلطات للحد من التقلبات الشديدة.
وفي الاقتصادات الناشئة، يُعد التعويم المُدار شائعًا نسبيًا، إذ يمكن للبنوك المركزية أن تتدخل في سوق الصرف في ظروف معينة مع السماح في الوقت نفسه بتحرك سعر العملة.
وقد تلجأ دولة إلى زيادة مرونة سعر الصرف عندما يصبح الحفاظ على سعر ثابت مكلفًا أو عندما تتراكم اختلالات في سوق العملات الأجنبية. لكن دوافع الانتقال إلى نظام أكثر مرونة تختلف من دولة إلى أخرى، ولا يمكن اختزالها في سبب واحد.
الفرق بين التعويم وتخفيض قيمة العملة
من المهم التمييز بين تخفيض قيمة العملة والتعويم.
في نظام سعر الصرف الثابت أو شبه الثابت، يمكن للسلطات أن تقرر خفض السعر الرسمي للعملة مقابل العملات الأجنبية؛ وهذا يُعرف عادةً بالتخفيض أو Devaluation.
أما في نظام أكثر مرونة، فقد تنخفض قيمة العملة نتيجة قوى السوق، وهو ما يوصف عادةً بـDepreciation أو انخفاض قيمة العملة.
لذلك فالتعويم ليس مجرد "تخفيض للعملة"، بل هو تغيير في نظام تحديد سعر الصرف نفسه. كما أن التعويم لا يعني بالضرورة انخفاض العملة بصورة مستمرة؛ فقد ترتفع العملة أو تنخفض وفق الظروف الاقتصادية وتدفقات رؤوس الأموال والتجارة والسياسة النقدية.
لماذا قد يصبح الدفاع عن سعر صرف ثابت صعبًا؟
عندما تحاول السلطات الحفاظ على سعر صرف محدد، قد يستخدم البنك المركزي احتياطيات النقد الأجنبي للتدخل في السوق. وإذا استمر الطلب على العملات الأجنبية في الارتفاع مع محدودية الاحتياطيات، فقد تظهر ضغوط على سعر الصرف، أو تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.
وقد حدث ذلك في مصر قبل إصلاحات سعر الصرف في 2016. فقد أشار البنك الدولي إلى أن الضغوط على الحسابات الخارجية وانخفاض الاحتياطيات وتزايد الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية كانت من العوامل التي سبقت زيادة مرونة سعر الصرف.
وفي نوفمبر 2016، تبنت مصر نظامًا أكثر مرونة لسعر الصرف ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي. وأشار الصندوق لاحقًا إلى أن تحرير سوق الصرف ساعد في القضاء على نقص العملات الأجنبية والسوق الموازية، وإن كان مصحوبًا بانخفاض كبير في قيمة الجنيه وارتفاع حاد في التضخم.
ما هو التضخم؟
التضخم هو ارتفاع مستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية، بما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود.
ولا ينشأ التضخم من سبب واحد بالضرورة. فقد ينتج عن زيادة الطلب، أو ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو صدمات في أسعار الطاقة والغذاء، أو اضطرابات سلاسل الإمداد، أو انخفاض قيمة العملة، أو مزيج من هذه العوامل.
ما المقصود بالتضخم المستورد؟
عندما تنخفض قيمة العملة المحلية، تصبح السلع والخدمات المستوردة أكثر تكلفة بالعملة المحلية، إذا بقيت أسعارها الخارجية دون تغيير. وقد يشمل ذلك الغذاء والطاقة والمواد الخام والآلات والمكونات الصناعية.
لكن ارتفاع سعر الواردات لا يعني أن الزيادة نفسها ستنتقل بالكامل إلى أسعار المستهلك. وهنا يظهر مفهوم تمرير سعر الصرف، أي مدى انتقال تغير سعر العملة إلى الأسعار المحلية.
وتوضح أبحاث بنك التسويات الدولية أن درجة هذا التمرير تختلف بين الدول والفترات، وأنها ترتبط بعوامل مثل مستوى التضخم، وحجم الاقتصاد، وتقلب سعر الصرف، وهيكل الأسواق والسياسات الاقتصادية. كما تشير الأدلة إلى أن التمرير قد يكون أقل في الاقتصادات التي تتمتع بتضخم منخفض ومستقر.
كيف يمكن أن يرتبط التعويم بالتضخم؟
يمكن تصور العلاقة من خلال عدة قنوات:
1. ارتفاع تكلفة الواردات
إذا أدى الانتقال إلى نظام أكثر مرونة إلى انخفاض كبير في قيمة العملة، فإن تكلفة السلع المستوردة والمكونات الأجنبية للإنتاج قد ترتفع. ويمكن أن ينتقل جزء من هذه الزيادة إلى الأسعار المحلية.
2. ارتفاع تكاليف الإنتاج
تعتمد بعض الشركات على مدخلات مستوردة، مثل المواد الخام أو المعدات أو الوقود. ولذلك يمكن أن يؤدي انخفاض قيمة العملة إلى ارتفاع تكاليفها، وقد تنعكس هذه الزيادة على أسعار المنتجات النهائية.
3. توقعات التضخم
إذا اعتقد الأفراد والشركات أن انخفاض قيمة العملة سيؤدي إلى استمرار ارتفاع الأسعار، فقد تتغير قرارات التسعير والأجور والإنفاق. ويمكن أن تصبح هذه التوقعات عاملًا يزيد من صعوبة إعادة التضخم إلى مستويات منخفضة.
ويشير بنك التسويات الدولية إلى أن انتقال تغيرات سعر الصرف إلى التضخم يرتبط أيضًا بمدى استقرار توقعات التضخم ومصداقية إطار السياسة النقدية.
4. عوامل أخرى تحدث في الوقت نفسه
وهذه نقطة مهمة: ليس كل ارتفاع في التضخم بعد التعويم ناتجًا عن التعويم وحده.
فقد يحدث انخفاض العملة بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، أو اضطرابات في سلاسل الإمداد، أو توسع مالي أو نقدي، أو نقص في بعض السلع. لذلك يحتاج تحليل العلاقة بين التعويم والتضخم إلى فصل هذه العوامل قدر الإمكان.
تجارب دولية
مصر
تُعد مصر مثالًا واضحًا على أن مرونة سعر الصرف يمكن أن تكون جزءًا من برنامج اقتصادي أوسع.
في نوفمبر 2016، تبنت مصر نظامًا مرنًا لسعر الصرف، وانخفضت قيمة الجنيه بصورة كبيرة. ووصل التضخم إلى نحو 31% في أبريل 2017 وفق بيانات صندوق النقد الدولي، الذي أشار إلى أن التضخم المرتفع ارتبط بصورة أساسية بانخفاض قيمة العملة إلى جانب إصلاحات الطاقة والضرائب.
وفي 2022 و2023 شهد الجنيه المصري جولات أخرى من الانخفاض. وذكر صندوق النقد الدولي أن التضخم خلال تلك الفترة تأثر بتمرير انخفاض قيمة العملة، وبنقص بعض السلع نتيجة محدودية توافر النقد الأجنبي، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع عالميًا واضطرابات سلاسل الإمداد.
وهذا المثال يوضح أهمية عدم اختزال التضخم في سعر الصرف وحده.
تركيا
تُظهر تركيا مثالًا مختلفًا، إذ تزامن انخفاض قيمة الليرة وارتفاع التضخم بصورة حادة مع مجموعة من السياسات النقدية والمالية والظروف الخارجية.
ووفق صندوق النقد الدولي، أدت تخفيضات أسعار الفائدة في أواخر 2021 إلى ضغوط كبيرة على الليرة، بينما ساهم انخفاض العملة وتغير توقعات التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء في زيادة التضخم. وقد وصل التضخم إلى 85% في أكتوبر 2022 وفق تقرير الصندوق.
ومن ثم فإن الحالة التركية لا تمثل مجرد مثال على "التعويم يسبب التضخم"، بل على التفاعل بين سعر الصرف والسياسة النقدية والتوقعات والصدمات الخارجية.
الأرجنتين
تقدم الأرجنتين مثالًا آخر على صعوبة إدارة التضخم وسعر الصرف عندما تصبح توقعات التضخم مرتفعة وتستمر الاختلالات الاقتصادية لفترات طويلة.
لكن من الأفضل تجنب وصف التجربة الأرجنتينية ببساطة بأنها سلسلة من "التعويمات التي سببت التضخم"، لأن التضخم المرتفع هناك ارتبط عبر فترات مختلفة بعوامل مالية ونقدية وسعر صرف وديون وصدمات خارجية متعددة.
وبوجه عام، تؤكد التجارب الدولية أن العلاقة بين سعر الصرف والتضخم متبادلة ومعقدة، وليست علاقة سببية أحادية الاتجاه.
لماذا قد تختار دولة نظامًا أكثر مرونة؟
يمكن أن تكون زيادة مرونة سعر الصرف جزءًا من استراتيجية لمعالجة اختلالات اقتصادية، ومن أهدافها المحتملة:
تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي للعملة.
السماح لسعر الصرف بامتصاص جزء من الصدمات الخارجية.
تقليل الحاجة إلى استنزاف الاحتياطيات للدفاع عن سعر محدد.
دعم القدرة التنافسية للصادرات عندما يكون سعر الصرف الحقيقي مرتفعًا بصورة غير مستدامة.
تحسين عمل سوق النقد الأجنبي.
ويشير صندوق النقد الدولي في الحالة المصرية إلى أن مرونة سعر الصرف تهدف، من بين أمور أخرى، إلى منع تراكم الاختلالات الخارجية وتقليل نقص العملات الأجنبية والسماح لسعر الصرف بامتصاص الصدمات الخارجية.
أما القول إن صندوق النقد الدولي يشترط التعويم دائمًا مقابل الحصول على التمويل فهو غير دقيق. شروط برامج الصندوق تختلف بحسب ظروف كل دولة وتصميم البرنامج. وفي الحالة المصرية تحديدًا، كان الانتقال إلى نظام مرن لسعر الصرف عنصرًا أساسيًا في البرامج الإصلاحية المدعومة من الصندوق.
التحديات الاجتماعية والاقتصادية
يمكن لانخفاض قيمة العملة وارتفاع التضخم أن يضغطا على القوة الشرائية للأسر، خصوصًا عندما ترتفع أسعار الغذاء والطاقة والسلع الأساسية بسرعة أكبر من نمو الدخول.
ولهذا قد تتضمن برامج الإصلاح إجراءات لحماية الفئات الأكثر تعرضًا للضرر، مثل التحويلات النقدية الموجهة أو دعم بعض السلع والخدمات أو توسيع برامج الحماية الاجتماعية.
وفي برنامج الإصلاح المصري لعام 2016، أشار صندوق النقد الدولي إلى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، بما في ذلك دعم الغذاء والتحويلات النقدية، بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.
دور البنك المركزي بعد زيادة مرونة سعر الصرف
لا تنتهي السياسة النقدية عند تغيير نظام سعر الصرف. ففي بيئة تتعرض فيها العملة لضغوط، يصبح الحفاظ على استقرار توقعات التضخم أحد التحديات الرئيسية.
وقد تستخدم البنوك المركزية، بحسب ظروف كل اقتصاد، أدوات مثل:
أسعار الفائدة.
إدارة السيولة.
التواصل الواضح بشأن أهداف السياسة النقدية.
أطر استهداف التضخم عندما تكون مطبقة.
التدخل في سوق الصرف في ظروف محددة، خصوصًا للحد من اضطرابات السوق، بحسب النظام المتبع.
لكن رفع أسعار الفائدة ليس حلًا آليًا لكل موجة تضخم؛ ففاعليته تعتمد على مصدر التضخم وعلى ظروف الاقتصاد وانتقال السياسة النقدية إلى الطلب والأسواق المالية.
ويشير بنك التسويات الدولية إلى أن الاقتصادات الناشئة تواجه مفاضلات معقدة بين التضخم وسعر الصرف والاستقرار المالي، وأن تغيرات سعر الصرف قد تؤثر في التضخم والأوضاع المالية في الوقت نفسه.
الخلاصة
التعويم ليس مرادفًا للتضخم، كما أن التضخم لا ينتج بالضرورة عن التعويم وحده.
عندما تنخفض قيمة العملة بعد الانتقال إلى نظام أكثر مرونة، يمكن أن ترتفع أسعار الواردات ومدخلات الإنتاج، وقد ينتقل جزء من هذا الأثر إلى الأسعار المحلية. لكن حجم التأثير وسرعته يعتمدان على عوامل عديدة، من بينها درجة الاعتماد على الواردات، ومستوى التضخم قبل الصدمة، وتوقعات الجمهور، ومصداقية السياسة النقدية، والسياسات المالية، وأسعار السلع العالمية.
لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأكثر دقة ليس: "هل يؤدي التعويم إلى التضخم؟"، وإنما: “إلى أي مدى ينتقل انخفاض قيمة العملة إلى الأسعار، وما السياسات والظروف التي تحدد حجم هذا الانتقال ومدته؟”
وتوضح التجارب المصرية والتركية وغيرها أن تغيير نظام سعر الصرف لا يعمل بمعزل عن بقية الاقتصاد. وقد يكون أكثر نجاحًا أو أقل تكلفة عندما يأتي ضمن إطار أوسع يعالج الاختلالات الخارجية، ويحافظ على استقرار السياسة النقدية، ويعزز الثقة، ويوفر حماية مناسبة للفئات الأكثر تأثرًا.
ملاحظة: المعلومات الواردة هنا تعليمية وعامة وليست توصية استثمارية أو حكمًا على سياسة اقتصادية بعينها. تقييم أي قرار متعلق بسعر الصرف أو السياسة النقدية يتطلب بيانات حديثة عن التضخم، والاحتياطيات، والمالية العامة، والتجارة الخارجية، وسلوك الأسواق، إلى جانب الظروف الخاصة بكل دولة.
المصادر الأساسية المستخدمة
صندوق النقد الدولي — أسئلة وأجوبة حول مرونة سعر الصرف في مصر
صندوق النقد الدولي — برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري لعام 2016
صندوق النقد الدولي — تقرير مصر 2023 حول تطورات سعر الصرف
صندوق النقد الدولي — تقرير مصر 2024 حول التضخم وتمرير سعر الصرف
بنك التسويات الدولية — دراسة تمرير سعر الصرف إلى التضخم
بنك التسويات الدولية — السياسة النقدية وسعر الصرف في الاقتصادات الناشئة
البنك الدولي — التوقعات الاقتصادية لمصر في 2016
صندوق النقد الدولي — تقييم تجربة تركيا والسياسة النقدية والتضخم
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق